ابو البركات
68
الكتاب المعتبر في الحكمة
واعترضت فيه فالمكان الآن هو هذا بحسب التعارف العام والخاص ولا حاجة إلى تحويله عن تعارف الجمهور ولك ان تتصور هذا البعد مفطورا قائما مع ارتفاع ( الأجسام عنه اما حاصلا في الوجود خاليا أو ممتلئا واما في الوهم والعقل مع ارتفاع - « 1 » ) الصفات الجسمية التي اخصها بهذا هي الصلابة واللين فإنه ولو امتنع وجوده في الأعيان خاليا لما امتنع تصوره في الأذهان مجردا كما تصورنا معنى الانسانية مجردا عن الصفات الشخصية ومعنى الحيوانية مجردا عن صفات أنواعه الخاصية ومعنى الجسمية مجردا عن صفات الحيوانية أو النباتية والمعدنية وغيرها من الأجسام الأولية وان كان لا يتجرد في وجوده عنها فهكذا المكان نتصوره ولو لم يخل بطوله وعرضه وعمقه وهو اقدم عند الذهن من الملأ . ونعم ما قال أكثر القوم بان المكان هو الهيولى فإنك إذا أضفت اليه معنى الصلابة واللين ومقاومة الخارق إلى غير ذلك من الصفات الأخرى صار جسما فاما إذا تصورته خاليا عن ذلك وأحللت فيه جسما ورفعت عنه جسما وتحركت فيه الأجسام منه واليه صار مكانا وإذا أضفته إلى الجسم المحسوس الذي تركب منه ومن باقي الصفات الجسمية صار هيولى وإذا أردت تصوره خاليا فتصور ان نسبته إلى الهواء كنسبة الهواء إلى الماء والماء إلى الأرض في المقاومة والممانعة للنافذ والخارق فترى ذلك في الماء أسهل منه في الأرض وفي الهواء أسهل منه في الماء وفي الخلاء أسهل منه في الهواء بل هو في غاية السهولة بلا ممانعة أصلا وكل شئ يخرقه بحركته فيه وهو لا يخرق شيئا هذا معناه ولولاه لما تحرك الهواء إذ لا يخرق ما هو اكثف منه وهو فضاء طويل عريض عميق فسمه ما تشاء . والعجب ممن استخرج الهيولى الأولى من رفع الصفات المختلفة في الأجسام في الوهم عن المحل المشترك لها وان لم يخل عنها حتى رفع الاتصال بالانفصال وقال بوجود ما لا يحس ولا يعقل من هيولى تركب الجسم منها ومن الابعاد وبقاء الخلاء الذي يتعاقب عليه الأجسام من ارض وماء وهواء في تجويف الاناء
--> ( 1 ) سقطت من سع .